أبي منصور الماتريدي
524
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الله - عزّ وجل - وصف ملائكته بالطاعة له والائتمار بأمره ، بقوله : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ . . . الآية [ التحريم : 6 ] ، وكقوله : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ . . . الآية [ الأنبياء : 27 ] . وكذلك يقول الحسن في إبليس : إنه لم يكن من الملائكة . وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم . ثم عارض نفسه بقولهما : فَلا تَكْفُرْ . فقال : إن المخبر بمثله إذا عرف ولوع السامع به ، وبما يعرض مثله - على العلم منه : أنه يفعل ، ولا يرتدع عن ذلك - يقول ذلك له ؛ ترغيبا منه ، والله أعلم . ومنهم من يقول « 1 » : كانا ملكين ، لكنهما علما الاسم الأعظم ، فيقضيان به الحوائج إلى أن حل بهما ما حل . وبهذا يحتج في بلعم « 2 » بقوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ . . . الآية [ الأعراف : 175 ] . ثم اختلف بعد هذا على أوجه : قال بعضهم : لم يكن ذلك منهما سحرا ، بل هو تعويذ الفرقة يقدر عليه . وقال قائلون : إن ما أنزل على الملكين أنزل كلاما حسنا صوابا ، لكنه خلط بالذي لقنهم الشيطان ؛ فصار سحرا . وقال آخرون : بلى . كان هو في نفسه سحرا ، يعلمان الناس ذلك ، لكنه لا ينهى عن تعليمه ، ولا يكفر الذي تعلم « 3 » . إنما ينهى عن الاعتقاد له ، فكان كالكفر الذي يعلم ، لا
--> ( 1 ) هو قول ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1684 ، 1685 ) وعن ابن عمر ( 1687 ، 1688 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 185 - 193 ) . ( 2 ) قال ابن عباس وابن مسعود : نزلت هذه الآية في ( بلعم بن باعوراء ) . وقال مجاهد : بلعام بن باعر . وقال عطية عن ابن عباس : كان من بني إسرائيل . وروى عن ابن أبي طلحة : أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين . وقال مقاتل : هو من مدينة البلقاء ، وذلك أن موسى - عليه الصلاة والسلام - وقومه ، قصد بلده ، وغزا أهله وكانوا كفارا ، فطلبوا منه أن يدعو على موسى وقومه وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه ، فما زالوا يطلبونه حتى دعا عليه ، فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه ، فقال موسى : يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه ؟ فقال : بدعاء بلعم ، فقال : كما سمعت دعاءه على ، فاسمع دعائي عليه ، ثم دعا موسى عليه السلام أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان ، فسلخه الله مما كان عليه ، ونزع منه المعرفة ، فخرجت من صدره حمامة بيضاء . ( 3 ) في أ : يعلم .